اسلوب التقديم والتأخير في البلاغة تعريف ومواضع واغراض

التقديم والتأخير في البلاغة

تعريف التقديم والتأخير في اللغة العربية 


التقديم والتأخير هو أحد الأساليب البلاغية المميزة في اللغة العربية، ويُقصد به مخالفة عناصر التركيب الترتيب الأصلي لها في السياق، فيتقدم ما كان أصله أن يتأخر ويتأخر ما الأصل فيه أن يتقدم. يعتبر هذا الأسلوب وسيلة فعّالة لتعزيز جمال التعبير وقوة المعنى.

ما هي فائدة التقديم والتأخير؟

للتقديم والتأخير فوائد كثيرة تعبر عن مدى سعي اللغة العربية إلى تحصيل جمال التعبير وقوة الصياغة قبل كل شيء،

ولو كان ذلك على حساب الترتيب المعهود للجملة، بحيث لا تقتصر على الترتيب التقليدي للكلمات، بل تتجاوزه لتصل إلى أهداف أسمى.

ومن أهم فوائد التقديم والتأخير:

  • تحقيق الجمال اللفظي: بحيث يتم تجميل الجملة وتزيينها، فتظهر بشكل أكثر تأثيرًا.
  • تخصيص المعنى وتوضيح الغرض البلاغي: إذ يتيح هذا الأسلوب للكاتب أو الشاعر التأكيد على معانٍ معينة أو تسليط الضوء على عناصر محددة في الجملة.
  • الإثارة والتشويق: يُستخدم الأسلوب لإثارة ذهن المستمع وجذب انتباهه بشكل أكبر.

مواضع التقديم والتأخير: أمثلة تطبيقية

التقديم والتأخير له مواضع كثيرة في اللغة العربية. ومن أبرزها:

تقديم المفعول به على فعله


مثال على تقديم المفعول به على فعله : “زيدًا ضربت”، وهنا يتم تخصيص زيد بالضرب دون غيره.

تقديم خبر المبتدأ على المبتدأ


مثال على تقديم خبر المبتدأ على المبتدأ: “قائمٌ خالدٌ”، حيث يُفيد التقديم تخصيص خالد بهذه الصفة

تقديم الظرف


يُستخدم للدلالة على الاختصاص، كما في قوله تعالى: “إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم”.

تقديم الحال

مثال تقديم الحال: “جاء ضاحكًا خالدٌ”، يفيد أنه جاء مختصًا بهذه الصفة.

تقديم الاستثناء

مثل قولك: “ما ضربت أحدًا إلا خالدًا”، فإذا قدمت المفعول به يكون الحصر أشد.

تقديم الاستفهام بالهمزة

إذا قلت: “أفعلت؟” كان الشك في الفعل نفسه، أما إذا قلت: “أأنت فعلت؟” كان الشك في الفاعل.

تقديم النفي

 إذا قلت: “ما فعلت”، نفيت عنك فعلاً لم يثبت أنه مفعول،

 أما إذا قلت: “ما أنا فعلت” نفيت عنك ما يثبت أنه مفعول”.

وإذا قلت: “ما خالداً كرهت” فقدمت المفعول، كان المعنى على أن كرهاً وقع منك على إنسان، وقد ظن أن ذلك الإنسان هو خالد، فنفيت أن يكون هو

مثل: “ما فعلت”، حيث يُنفي الفعل، و”ما أنا فعلت” يُنفي الفاعل.

تقديم “غير” و”مثل”

 وهما مما يلاحظ تقديمهما في الكلام، وقد ذكر علماء البلاغة العربية أن هاتين الكلمتين ” تلازمان التقديم في التراكيب البلاغية إذا أريد بهما الكناية عن الشخص الذي يجري الحديث عنه”. ومثل ذلك قول أبي فراس الحمداني الشاعر المعروف:

بلى، أنا مشتاق وعندي لوعة** ولكن مثلي لا يذاع له سر

ومثل قول أبي تمام :

وغيري يأكل المعروف سحتا ** وتشحب عنده بيض الأيادي

ومثل قول المتنبي في قصيدة يعزي فيها عضد الدولة أبا شجاع في عمته :

مثلك يًثني الحزن عن صوبه** ويسترد الدمع عن غربه

ولم أقل “مثلًك” أعني **به سواك يا فردا بلا مشبه

تمارين موقع مناهل أونلاين على مفهوم التقديم والتأخير :

إن مفهوم التقديم والتأخير من الأبحاث المهمة في علم البلاغة ومعرفتها تجعل المتعلم قادراً على تذوق المعاني الجديدة التي تنطوي عليها الجمل، وقد اهتم مناهل -موقع تعليم اللغة العربية للأطفال- في هذا البحث من خلال التمارين المكثفة التي وضعها بعد شرح مبسط وسلس لمفهوم التقديم والتأخير مبيناً فائدته ومواضعه وأغراضه، وجاءت هذه التمارين على عدة مستويات، وهي:

-المستوى الأول: اختيار الجملة التي تحوي تقديماً وتأخيراً بلاغياً من ضمن خيارين .

-المستوى الثاني: تحديد الكلمة التي تقدمت وحقها التأخير في العبارة الواردة.

-المستوى الثالث: كتابة الكلمة التي تقدمت في العبارة الواردة وكان حقها التأخير.

-المستوى الرابع: تحديد الكلمة التي تأخرت وحقها التقديم في العبارة الواردة.

-المستوى الخامس: كتابة الكلمة التي تأخرت وحقها التقديم في العبارة الواردة.

-المستوى السادس: اختيار الغرض البلاغي المناسب للتقديم والتأخير الوارد في العبارة .

أغراض التقديم والتأخير

للتقديم والتأخير أغراض بلاغية متعددة، منها:

  1. القصر والتخصيص
    مثل قوله تعالى: “لله الأمر من قبل ومن بعد”، حيث يُخصص الفعل بالله وحده وقول الشاعر: عذبة ٌ أنتِ كالطفولة…
  2. التفاؤل بما يسر المخاطب
    مثل: “ناجحة أنت في المسابقة”، حيث يُقدم النجاح لزيادة التفاؤل.
  3. إثارة الذهن وتشويق السامع
    مثل: “إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب” مثل: قول الشاعر: ثلاثة ليس لها إياب الوقت والجمال والشباب..
  4. التعجب
    مثل: “لله درك!”، يُستخدم لإظهار الإعجاب.
  5. المدح والذم
    في المدح: “نعم البديل من الزلة الاعتذار”.
    وفي الذم: “بئس الرجل المنافق”.
  6. التعظيم والتكبير
    مثل: “عظيم أنت”، لتكبير الشأن والمقام.
  7. التبرك
    مثل: “الله سندي”، يُستخدم للتعبير عن التبرك والاعتماد.
  8. مراعاة توازن الجملة والسجع
    كما في قوله تعالى: “خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه”.
  9. تقوية الحكم وتقريره
    مثل قوله تعالى: “والذين هم بربهم لا يشركون”.

في اللغة العربية، يمكن تقديم بعض الألفاظ في الجملة دون أن يفسد معناها. وهذا يُظهر مدى مرونة اللغة العربية في التعامل مع ترتيب الكلمات. على سبيل المثال، في قوله تعالى:
“وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء”
ثم قال في موضع آخر:
“لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض”.
نرى أن التقديم والتأخير في هاتين الآيتين لا يخل بالمعنى بل يعزز جمال النص.

ما يجوز تقديمه ولو تأخر لم يفسد معناه:

في اللغة العربية، يمكن تقديم بعض الألفاظ في الجملة دون أن يفسد معناها. وهذا يُظهر مدى مرونة اللغة العربية في التعامل مع ترتيب الكلمات.

على سبيل المثال، في قوله تعالى:
“وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء”
ثم قال في موضع آخر:
“لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض”.
نرى أن التقديم والتأخير في هاتين الآيتين لا يخل بالمعنى بل يعزز جمال النص.

ويقصد به كل كلام ورد فيه ذكر لأمرين أو أكثر، وجاءت المذكورات متتالية ، فإن ترتيبها ذاك يكون لهدف معين، وفي الغالب يكون الترتيب بذكر الأهم فالمهم ، ولو قدم المتأخر ما كان ذلك معيباً، أو لو عكس الترتيب ما أخل بمعنى العبارة.

تأمل قول الله تعالى فيما يلي: ( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا السماء) وقوله تعالى:( لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض).

فقدم سبحانه الأرض مرة  والسماء مرة أخرى والترتيب يتبع لرغبة المتكلم لا غير ، أو كما يقول صاحب الطراز :” فأنت ههنا بالخيار، فإن شئت قدمت المفضول لما له من المناسبة لمطلع الكلام ، وإن شئت قدمت الفاضل لما له من رتبة الفضل “

على سبيل الختم :


يبقى موضوع التقديم والتأخير من الموضوعات التي تناولها الدارسون بالعرض والتحليل لإظهار مدى شجاعة اللغة العربية في الخروج عن النمط المألوف الذي جاء في تركيبهم ، ولكن هذا الخروج على المعهود لم يكن ضربًا من الخبط والعشوائية ، بل له ما يبرره من المعاني والأغراض.
والموضوع متشعب وواسع ، ولا يمكن حصره في هذه الكلمات القليلة ،وهو الموضوع الذي أسال الكثير من المداد.

التقديم والتأخير في البلاغة